فخر الدين الرازي

185

تفسير الرازي

في أول الأمر يكون من باب المتشابهات ، والقسم الثاني وهو الذي يكشف لهم في آخر الأمر هو المحكمات ، فهذا ما حضرنا في هذا الباب والله أعلم بمراده . وإذا عرفت هذه المباحث فلنرجع إلى التفسير . أما قوله تعالى : * ( هو الذي أنزل عليك الكتاب ) * فالمراد به هو القرآن * ( منه آيات محكمات ) * وهي التي يكون مدلولاتها متأكدة إما بالدلائل العقلية القاطعة وذلك في المسائل القطعية ، أو يكون مدلولاتها خالية عن معارضات أقوى منها . ثم قال : * ( هن أم الكتاب ) * وفيه سؤالان : السؤال الأول : ما معنى كون المحكم أماً للمتشابه ؟ . الجواب : الأم في حقيقة اللغة الأصل الذي منه يكون الشيء ، فلما كانت المحكمات مفهومة بذواتها ، والمتشابهات إنما تصير مفهومة بإعانة المحكمات ، لا جرم صارت المحكمات كالأم للمتشابهات وقيل : أن ما جرى في الإنجيل من ذكر الأب ، وهو أنه قال : إن الباري القديم المكون للأشياء الذي به قامت الخلائق وبه ثبتت إلى أن يبعثها ، فعبّر عن هذا المعنى بلفظ الأب من جهة أن الأب هو الذي حصل منه تكوين الابن ، ثم وقع في الترجمة ما أوهم الأبوة الواقعة من جهة الولادة ، فكان قوله * ( ما كان لله أن يتخذ من ولد ) * ( مريم : 35 ) محكماً لأن معناه متأكد بالدلائل العقلية القطعية ، وكان قوله : عيسى روح الله وكلمته من المتشابهات التي يجب ردها إلى ذلك المحكم . السؤال الثاني : لم قال : * ( أم الكتاب ) * ولم يقل : أمهات الكتاب ؟ . الجواب : أن مجموع المحكمات في تقدير شيء واحد ، ومجموع المتشابهات في تقدير شيء آخر وأحدهما أم الآخر ، ونظيره قوله تعالى : * ( وجعلنا ابن مريم وأمه آية ) * ( المؤمنون : 50 ) ولم يقل آيتين ، وإنما قال ذلك على معنى أن مجموعهما آية واحدة ، فكذلك ههنا . ثم قال : * ( وأُخر متشابهات ) * وقد عرفت حقيقة المتشابهات ، قال الخليل وسيبويه : أن * ( أُخر ) * فارقت أخواتها في حكم واحد ، وذلك لأن أُخر جمع أخرى وأخرى تأنيث آخر وأُخر على وزن أفعل وما كان على وزن أفعل فإنه يستعمل مع * ( من ) * أو بالألف واللام ، فيقال : زيد أفضل من عمرو ، وزيد الأفضل فالألف واللام معقبتان لمن في باب أفعل ، فكان القياس أن يقال : زيد آخر من عمرو ، أو يقال : زيد الآخر إلا أنهم حذفوا منه لفظ * ( من ) * لأن لفظه اقتضى معنى * ( من ) * فأسقطوها اكتفاء بدلالة اللفظ عليه والألف واللام معاقبتان لمن ، فسقط الألف واللام أيضاً